وسائل الحفاظ على الهوية الثقافية للأمة الإسلامية
الشيخ / ناصر الشيبانى
وزير الأوقاف – اليمن
أولا : التعريف بالهوية الثقافية الإسلامية:
هى مجموعة الأسس والمبادئ الدينية التى تنظم الفكر الإسلامى وتنمى الثقافة بما يتناسب مع متطلبات العصر.
والثقافة تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة والتراث الحضارى كما تشمل نظم القيم والمعتقدات والتقاليد والحقوق الأساسية للإنسان ويعرفها مالك بن نبى بقوله:
“ هى مجموعة الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التى يتلقاها الفرد منذ ولادته “.
وبناء على ذلك لابد أن تقوم الثقافة على الانسجام بين عناصرها وعلى نبذ كل دخيل عليها لأنها طريق الحياة الكلية للمجتمع.
إن الإسلام وهو الدين الذى ارتضاه الله سبحانه وتعالى ليكون منهجا سلوكيا وثقافيا وحضاريا اهتم بالجانب الفكرى أيما اهتمام.
ففى خطاب العقيدة يقول الله تعالى( قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين) (1).
وفى خطاب العقل نجد التوحيد( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلفت ) (2).
وفى خطاب ما وراء المادة نجد ( قل انظروا ماذا فى السموات و الأرض) (3).
ونجد أن القرآن الكريم يضع منهجا ثقافيا متكاملا حتى فى بداية العهد مع الحياة الصادقة وهو بداية المعرفة.. (اقرأ) ومفهوم اقرأ- الإكثار من وسائل المعرفة فى شتى المجالات.
فنجد أن اهتمام الإسلام بالعلم والتعلم والأخذ بأسباب المعرفة هو الطابع الأساسى الذى يميز هوية هذه الأمة.
فالأمة بدون (اقرأ) أمة جاهلة. وقفت عند حد الأمية، فلا زيادة ولا تطور ولكن تأخر واندثار مهما كان العطاء من الأرض والسماء.
ثانيا: الطريق إلى الأخذ بالهوية الثقافية لتنمية المدارك العلمية:
لقد فطنت الأمة الإسلامية فى بداية عهدها إلى قوة ثقافتها وعرفت أن هذه الثقافة تحوى كل شىء، ففى الثقافة الدينية نجد إشارات إلى الصناعة كالإشارة إلى سيدنا داود عليه السلام ( وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر فى السرد واعملوا صالحا… ) (4).
وكالإشارة فى النجارة إلى سيدنا نوح ( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ….) (5).
ومعنى ذلك أن هناك وسائل أخذ المسلمون الأوائل بها فوصلوا إلى أرقى درجات العلم والمعرفة فى عصرهم وميزت هويتهم عن سائر الأمم فأبو بكرالرازى وابن النفيس وابن الهيثم وجابر بن حيان وابن خلدون وأمثالهم من الأعلام أخذوا بالهوية الثقافية الإسلامية وتمسكوا بمنهج القرآن فى ذلك فوصلوا إلى ما وصلوا إليه فكان هذا التراث الضخم الذى أخذ به الغرب.
ثالثا: العوامل المضادة التى تؤثر فى ضعف أو فقدان الهوية الثقافية:
إن الحفاظ على هذه الهوية ليس بالأمر اليسير أمام مغريات العصر ووسائل طمس المعالم والبعد عن الحقائق الدينية، فقد بينها الله سبحانه وتعالىفى قوله ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) (6).
فهذه الأشياء المزينة إن لم يستخدمها الفرد والمجتمع الاستخدام المشروع الصحيح كانت كالتي تنوء به وتفقده هويته الثقافية والفكرية. فعوامل فقدان الهوية الثقافية كثيرة ومتعددة كالفكر الردىء والإعلام الهابط والثقافة الركيكة التى لا تمثل إلا سوء الأخلاق والميوعة فى القيم.
رابعا: وسائل الحفاظ على الهوية الثقافية للأمة الإسلامية:
والوسائل جمع وسيلة وهى: ما يتقرب بها إلى الغير والمقصود هنا
طرق أو أدوات.
أ- زيادة الاهتمام بلغة القرآن:
وذلك لأن الفكر الإسلامى يعتمد أساسا على مدلولات الألفاظ العربية
وهذه المدلولات لا يتاح للفرد فهمها إلا إذا أحسن فهم اللغة العربية التى هى لغة القرآن الكريم كما يشير بذلك قوله تعالى( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) (7).
والاهتمام باللغة العربية يساعد على فهم مقاصد القرآن ولغة الحوار فيه وأساليبه المختلفة، وكذلك يحافظ على مد المسلم بالمعرفة المختلفة فىشتى مجالات الحياة، حيث أن القرآن الكريم منهج حياة يحوى كل الدلائل على مقومات هذه الحياة ( ما فرطنا فى الكتاب من شئ) (8).
يقول الأستاذ محمد الغزالى فى كتابه ” تراثنا الفكرى فى ميزان الشرع والعقل “: دروس التفسير التى تلقيناها فى الأزهر لستين سنة خلت. كانت تطبيقا لقواعد اللغة والبلاغة فما يعيها ويبرع فيها إلا متمكن من النحو والصرف والمعانى والبيان.. إلى أن قال: ورحم الله من علمونا اللغة العربية والفقه الإسلامى وهم يفسرون القرآن الكريم، لقد أفدنا منهم كثيرا وكل ما أريد بيانه أن علوم اللغة والفقه وسائل لتقرير المعنى المراد، وسائل لابد منها، فلا يحسن التفسير إلا من وعاها.
ومن الوسائل التى تحافظ على الهوية الثقافية للأمة الإسلامية
الآداب و الفنون:
ونعنى بذلك مجموعة الأساليب الفنية التى يتخذها الكاتب أو الشاعر أو الأديب أو الفنان للوصول إلى الهدف، والتى هى من الأسس فى الحفاظ على الهوية الثقافية.
لقد وضع العلماء مصطلحات لتحديد ما يسمى علما و ما يسمى فنا ، فما كان حقيقة مجردة ويحد بحدود جامعة مانعة، يدخل فى باب العلم وما كان غير ذلك يدخل فى باب الفن، وقد يكون الفن جزءا من العلم.
فالثقافة الغربية قد ورثت ذوق الجمال من التراث اليونانى الرومانى.
أما الثقافة الإسلامية فقد ورثت الشغف بالحقيقة من بين ميزان الفكر السامى.
ومن الوسائل- العادات والتقاليد- للحفاظ على الهوية الثقافية الإسلامية
فإن الإسلام فى أول عهده قد أقر بعض عادات العرب وتقاليدهم وأرسى قواعدها، فقد كان من شيمة العرب الأخلاق الحميدة مع ضيوفهم، وكرم الأخلاق، وإن لم يكن على الدرجة التى أرادها الإسلام فبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) (9).
ب- إحياء التراث الحضاري الإسلامى فى الثقافة- الفنون- الآداب- العلوم:
إن الإسلام قد جمعته نصوص ثابتة تحوى كل جوانب الحياة من القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة الزكية ، غير أنها فى غالبها مجملة.. ثم كان من السلف الصالح والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أن وضعوا مناهج لفهم السنة الشريفة وبعض مدلولات القرآن الكريم فيما أشكل فهمه، وذلك بالاستعانة بنصوص السنة المطهرة المتفق على صحتها.. وهذه القواعد تعتبر تراثا يجب الحفاظ عليه.. إلا أن بعض ما عرض للأمة الإسلامية من فتن أدت إلى اندثار بعض هذا التراث مما أساء فهم القرآن والسنة، لذلك يجب العودة والبحث عن هذا التراث وإحيائه والعمل به حتى يمكن الحفاظ على الهوية الثقافية.
ومن التراث الذى يجب أن ننظر إليه بعين الاعتبار أيضا ما كان فى الدولة الأموية والعباسية وما بعدهما بما يسمى بالمكتبات العلمية حيث كان حرص الخلفاء على إنشاء هذه المكتبات وتحديثها وتنظيمها سببا كبيرا فى الحفاظ على هوية الأمة الإسلامية.
ويدمى الفؤاد حينما نتذكر مصير هذا التراث الذى دمر بعضه أو أحرق بسبب الحروب والخلافات السياسية، وانتقل القسم الآخر إلى مكتبات أوروبا ومتاحفها خاصة الدول التى استعمرت بعض البلاد الإسلامية. ونحن مدعوون اليوم لإحياء هذا التراث من جديد والإضافة المستجدة إليه عن طريق بعث الحياة الفاعلة فى هذا التراث والانتقال بفكرنا من رحلة الترديد والتكرار إلى مرحلة الاجتهاد والإضافة نحو الإبداع.
ولا يقل دور المكتبات عن دور المساجد والمدارس المضافة إليها فى النهضة العلمية ومن وسائل الحفاظ على الهوية الثقافية الإسلامية- إحياء التراث الإسلامى فى الآداب:
وفى الفنون: نجد أن الإنسانية ترتبط بالمشاعر العاطفية، والنواحى الجمالية ودواعى المرح. والاستجمام مثلما ترتبط بالضرورات الاقتصادية والمباحث العقلية والكونية.
ومن الوسائل فى الحفاظ على الهوية الثقافية للأمة الإسلامية إحياء التراث فى العلوم: فما أن ظهرت رسالة الإسلام المجيدة حتى حثت على الأخذ بأسباب الحضارة كما يتبين لمن يتفهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، ويقتفى سيرة النبى عليه الصلاة والسلام، وتاريخ الخلفاء الراشدين ويقف على تاريخ ملوك المسلمين فى كل عصور قوتهم وازدهار ملكهم.
ويعتبر الإسلام أول عقيدة كرمت العلم والعلماء، ومعنى هذا، أنه يعنى بأصل الحضارة وقوتها الدافعة، وليس لنا أن نعجب إذا كانت أول سورة نزلت على قلب النبى الكريم هى سورة العلق ( اقرأ باسم ربك الذى خلق….. إلى قوله تعالى ما لم يعلم ) (10).
وجاء فى أوائل السور المكية قوله تعالى (ن والقلم وما يسطرون) (11) 0 (والطور * وكتاب مسطور * فى رق منشور ) (12). ومن المتعارف عليه أن أدوات العلم فى ذلك الوقت كانت: القلم، والمداد (أى الحبر) والرق الذى يكتب عليه. وقد أقسم الله بهذه الأدوات الثلاث، أقسم بالنون- وهى الدواة- على ما ذهب إليه بعض المفسرين، وأقسم بالقلم- وهو وسيلة الكتابة المعهودة، وأقسم بالرق المنشور- و هو الوسيلة ” الأداة “ التى يحتفظ بالكتابة بواسطتها، وفى الحديث الذى رواه أبو داود والترمذى: ” العلماء ورثة الأنبياء ” ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) (13).، ( من خرجفى طلب العلم فهو فى سبيل الله حتى يرجع ) (14).
من هذا يتبين أن الإسلام قوة دافعة للحركة الحضارية، وأن الحضارة بجميع ألوانها أصداء للإسلام، وأن العلوم والإنتاج والتعمير من مقتضيات الإسلام.
ومن المعروف والثابت تاريخيا، أنه فى الوقت الذى كانت البلاد الإسلامية تمثل المشعل الفكرى الوضاء الذى ينشر النور فيما حوله، ويملأ الدنيا علما ومعرفة، كانت أوروبا تعيش فى حالة من الجهل والتخلف، والضياع والتمزق، ولما أرادت أن ترفع عن كاهلها عبء ذلك الوضع المهين التفتت إلى الحضارة الإسلامية، تنهل من رحيق المعرفة والفكر ما أمكنها ذلك، ولذلك عكف علماؤها ورجال الدين فيها على دراسة الآثار العلميةالتى كتبها العلماء المسلمون من أمثال ابن سينا، والرازى والبستانى وابن الهيثم، والبيرونى والخوارزمى والفارابى وابن رشد وغيرهم، فكانت هذه المؤلفات تمثل المنهل العذب الذى كان طلاب المعرفة ينهلون منه وذلك فى العلوم الطبية والرياضية والطبيعية كالحساب والجبر والهندسة والعلوم والبصريات والفلك وعلم الجغرافيا والتاريخ.
وبناء على ما تقدم فلابد من غربلة التراث الإسلامى الذى آل إلينا فى هذا العصر لاستبقاء ما يوافق الكتاب والسنة واستبعاد ماعداه.
جـ - ومن وسائل الحفاظ على الهوية الثقافية للأمة الإسلامية زيادة الاهتمام بدراسات الشريعة الإسلامية والتقريب بين المذاهب الفقهية.
إن الشريعة الإسلامية بحكم مصدرها الإلهى تختلف عن كل الشرائع الوضعية من حيث النشأة فهى لم تنشأ عن عادات و أعراف فرضت نفسها فىزمن معين ثم إذا تغيرت الظروف تغيرت العادات والأعراف وإلا لزمنا إذا وحدنا بين الشريعة والقانون الوضعى أن نراجع الشريعة الإسلامية ونعدل بعض أو كل قوانينها لتناسب التطورات وتنسجم مع الواقع.
والشريعة الإسلامية بحكم مصدرها- إنسانية الهدف- عامة لجميع الناس شاملة لجميع جوانب الحياة- جاءت لهداية الإنسان إلى الطريق السوى، ومن هنا فهى ثابتة الأسس والمعالم لا تتغير بتغير ظواهر الحياة الواقعية، فلا ترتبط بظروف طارئة وليست نتاج جهد إنسانى أو عقل بشرى.
وغاية الشريعة الإلهية- ضبط الحركة البشرية لئلا تمضى شاردة على غير هدى فتضل الهدف، وتنتهى بالإنسان إلى نكسة تقوده إلى الضياع والتيهفى معزل الحياة.
وعظمة هذه الشريعة أغرت الأعداء من المستشرقين الذين هالهم أن تنبثق هذه الشريعة عن عقيدة ودين وبحقدهم وضغينتهم كادوا و مكروا لهذه الشريعة من نقد لأحكامها وتشكيك بمصادرها ونشر الإشاعات المغرضة حول إمكانية الشريعة لمواكبة الحياة المعاصرة وعدم قدرتها على تلبية حاجات المجتمع الحديث ونحن المسلمين يجب أن يزداد اهتمامنا بدراسة الشريعة و إظهار قدرتها وعظمتها كما سبق بذلك علماء الأمة الذين تصدوا لهذه الظواهر ولم يتوقفوا أمامها بل ناصبوهم العداء وردوا عليهم من أصل معتقداتهم، ولا يتسنى ذلك إلا إذا تحرك علماء الأمة ضمن المبادئ الكلية و المحاور الثابتة عن طريق الدعوة إلى الاجتهاد الذى يمثل فقه الواقع- الذى يمثل الواقعية الزمانية والمكانية من حيث أن المجتهد يستطيع أن يستنبط من علوم الشريعة وعن طريق تفسيرها ما يلائم المجتمع الذى يعيش فيه.
منقول من موقع: www.islamic-council.com
رابط المقال: http://www.islamic-council.com/conf_au/11/25.asp


.jpg)

