أرشيف

Archive for the ‘مقالات’ Category

وسائل الحفاظ على الهوية الثقافية للأمة الإسلامية

الشيخ / ناصر الشيبانى

وزير الأوقاف – اليمن

أولا : التعريف بالهوية الثقافية الإسلامية:

هى مجموعة الأسس والمبادئ الدينية التى تنظم الفكر الإسلامى وتنمى الثقافة بما يتناسب مع متطلبات العصر.

والثقافة تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة والتراث الحضارى كما تشمل نظم القيم والمعتقدات والتقاليد والحقوق الأساسية للإنسان ويعرفها مالك بن نبى بقوله:

“ هى مجموعة الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التى يتلقاها الفرد منذ ولادته “.

وبناء على ذلك لابد أن تقوم الثقافة على الانسجام بين عناصرها وعلى نبذ كل دخيل عليها لأنها طريق الحياة الكلية للمجتمع.

إن الإسلام وهو الدين الذى ارتضاه الله سبحانه وتعالى ليكون منهجا سلوكيا وثقافيا وحضاريا اهتم بالجانب الفكرى أيما اهتمام.

ففى خطاب العقيدة يقول الله تعالى( قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين) (1).

وفى خطاب العقل نجد التوحيد( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلفت ) (2).

وفى خطاب ما وراء المادة نجد ( قل انظروا ماذا فى السموات و الأرض) (3).

ونجد أن القرآن الكريم يضع منهجا ثقافيا متكاملا حتى فى بداية العهد مع الحياة الصادقة وهو بداية المعرفة.. (اقرأ) ومفهوم اقرأ- الإكثار من وسائل المعرفة فى شتى المجالات.

فنجد أن اهتمام الإسلام بالعلم والتعلم والأخذ بأسباب المعرفة هو الطابع الأساسى الذى يميز هوية هذه الأمة.

فالأمة بدون (اقرأ) أمة جاهلة. وقفت عند حد الأمية، فلا زيادة ولا تطور ولكن تأخر واندثار مهما كان العطاء من الأرض والسماء.

ثانيا: الطريق إلى الأخذ بالهوية الثقافية لتنمية المدارك العلمية:

لقد فطنت الأمة الإسلامية فى بداية عهدها إلى قوة ثقافتها وعرفت أن هذه الثقافة تحوى كل شىء، ففى الثقافة الدينية نجد إشارات إلى الصناعة كالإشارة إلى سيدنا داود عليه السلام ( وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر فى السرد واعملوا صالحا… ) (4).

وكالإشارة فى النجارة إلى سيدنا نوح ( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ….) (5).

ومعنى ذلك أن هناك وسائل أخذ المسلمون الأوائل بها فوصلوا إلى أرقى درجات العلم والمعرفة فى عصرهم وميزت هويتهم عن سائر الأمم فأبو بكرالرازى وابن النفيس وابن الهيثم وجابر بن حيان وابن خلدون وأمثالهم من الأعلام أخذوا بالهوية الثقافية الإسلامية وتمسكوا بمنهج القرآن فى ذلك فوصلوا إلى ما وصلوا إليه فكان هذا التراث الضخم الذى أخذ به الغرب.

ثالثا: العوامل المضادة التى تؤثر فى ضعف أو فقدان الهوية الثقافية:

إن الحفاظ على هذه الهوية ليس بالأمر اليسير أمام مغريات العصر ووسائل طمس المعالم والبعد عن الحقائق الدينية، فقد بينها الله سبحانه وتعالىفى قوله ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) (6).

فهذه الأشياء المزينة إن لم يستخدمها الفرد والمجتمع الاستخدام المشروع الصحيح كانت كالتي تنوء به وتفقده هويته الثقافية والفكرية. فعوامل فقدان الهوية الثقافية كثيرة ومتعددة كالفكر الردىء والإعلام الهابط والثقافة الركيكة التى لا تمثل إلا سوء الأخلاق والميوعة فى القيم.

رابعا: وسائل الحفاظ على الهوية الثقافية للأمة الإسلامية:

والوسائل جمع وسيلة وهى: ما يتقرب بها إلى الغير والمقصود هنا

طرق أو أدوات.

أ- زيادة الاهتمام بلغة القرآن:

وذلك لأن الفكر الإسلامى يعتمد أساسا على مدلولات الألفاظ العربية

وهذه المدلولات لا يتاح للفرد فهمها إلا إذا أحسن فهم اللغة العربية التى هى لغة القرآن الكريم كما يشير بذلك قوله تعالى( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) (7).

والاهتمام باللغة العربية يساعد على فهم مقاصد القرآن ولغة الحوار فيه وأساليبه المختلفة، وكذلك يحافظ على مد المسلم بالمعرفة المختلفة فىشتى مجالات الحياة، حيث أن القرآن الكريم منهج حياة يحوى كل الدلائل على مقومات هذه الحياة ( ما فرطنا فى الكتاب من شئ) (8).

يقول الأستاذ محمد الغزالى فى كتابه ” تراثنا الفكرى فى ميزان الشرع والعقل “: دروس التفسير التى تلقيناها فى الأزهر لستين سنة خلت. كانت تطبيقا لقواعد اللغة والبلاغة فما يعيها ويبرع فيها إلا متمكن من النحو والصرف والمعانى والبيان.. إلى أن قال: ورحم الله من علمونا اللغة العربية والفقه الإسلامى وهم يفسرون القرآن الكريم، لقد أفدنا منهم كثيرا وكل ما أريد بيانه أن علوم اللغة والفقه وسائل لتقرير المعنى المراد، وسائل لابد منها، فلا يحسن التفسير إلا من وعاها.

ومن الوسائل التى تحافظ على الهوية الثقافية للأمة الإسلامية

الآداب و الفنون:

ونعنى بذلك مجموعة الأساليب الفنية التى يتخذها الكاتب أو الشاعر أو الأديب أو الفنان للوصول إلى الهدف، والتى هى من الأسس فى الحفاظ على الهوية الثقافية.

لقد وضع العلماء مصطلحات لتحديد ما يسمى علما و ما يسمى فنا ، فما كان حقيقة مجردة ويحد بحدود جامعة مانعة، يدخل فى باب العلم وما كان غير ذلك يدخل فى باب الفن، وقد يكون الفن جزءا من العلم.

فالثقافة الغربية قد ورثت ذوق الجمال من التراث اليونانى الرومانى.

أما الثقافة الإسلامية فقد ورثت الشغف بالحقيقة من بين ميزان الفكر السامى.

ومن الوسائل- العادات والتقاليد- للحفاظ على الهوية الثقافية الإسلامية

فإن الإسلام فى أول عهده قد أقر بعض عادات العرب وتقاليدهم وأرسى قواعدها، فقد كان من شيمة العرب الأخلاق الحميدة مع ضيوفهم، وكرم الأخلاق، وإن لم يكن على الدرجة التى أرادها الإسلام فبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) (9).

ب- إحياء التراث الحضاري الإسلامى فى الثقافة- الفنون- الآداب- العلوم:

إن الإسلام قد جمعته نصوص ثابتة تحوى كل جوانب الحياة من القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة الزكية ، غير أنها فى غالبها مجملة.. ثم كان من السلف الصالح والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أن وضعوا مناهج لفهم السنة الشريفة وبعض مدلولات القرآن الكريم فيما أشكل فهمه، وذلك بالاستعانة بنصوص السنة المطهرة المتفق على صحتها.. وهذه القواعد تعتبر تراثا يجب الحفاظ عليه.. إلا أن بعض ما عرض للأمة الإسلامية من فتن أدت إلى اندثار بعض هذا التراث مما أساء فهم القرآن والسنة، لذلك يجب العودة والبحث عن هذا التراث وإحيائه والعمل به حتى يمكن الحفاظ على الهوية الثقافية.

ومن التراث الذى يجب أن ننظر إليه بعين الاعتبار أيضا ما كان فى الدولة الأموية والعباسية وما بعدهما بما يسمى بالمكتبات العلمية حيث كان حرص الخلفاء على إنشاء هذه المكتبات وتحديثها وتنظيمها سببا كبيرا فى الحفاظ على هوية الأمة الإسلامية.

ويدمى الفؤاد حينما نتذكر مصير هذا التراث الذى دمر بعضه أو أحرق بسبب الحروب والخلافات السياسية، وانتقل القسم الآخر إلى مكتبات أوروبا ومتاحفها خاصة الدول التى استعمرت بعض البلاد الإسلامية. ونحن مدعوون اليوم لإحياء هذا التراث من جديد والإضافة المستجدة إليه عن طريق بعث الحياة الفاعلة فى هذا التراث والانتقال بفكرنا من رحلة الترديد والتكرار إلى مرحلة الاجتهاد والإضافة نحو الإبداع.

ولا يقل دور المكتبات عن دور المساجد والمدارس المضافة إليها فى النهضة العلمية ومن وسائل الحفاظ على الهوية الثقافية الإسلامية- إحياء التراث الإسلامى فى الآداب:

وفى الفنون: نجد أن الإنسانية ترتبط بالمشاعر العاطفية، والنواحى الجمالية ودواعى المرح. والاستجمام مثلما ترتبط بالضرورات الاقتصادية والمباحث العقلية والكونية.

ومن الوسائل فى الحفاظ على الهوية الثقافية للأمة الإسلامية إحياء التراث فى العلوم: فما أن ظهرت رسالة الإسلام المجيدة حتى حثت على الأخذ بأسباب الحضارة كما يتبين لمن يتفهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، ويقتفى سيرة النبى عليه الصلاة والسلام، وتاريخ الخلفاء الراشدين ويقف على تاريخ ملوك المسلمين فى كل عصور قوتهم وازدهار ملكهم.

ويعتبر الإسلام أول عقيدة كرمت العلم والعلماء، ومعنى هذا، أنه يعنى بأصل الحضارة وقوتها الدافعة، وليس لنا أن نعجب إذا كانت أول سورة نزلت على قلب النبى الكريم هى سورة العلق ( اقرأ باسم ربك الذى خلق….. إلى قوله تعالى ما لم يعلم ) (10).

وجاء فى أوائل السور المكية قوله تعالى (ن والقلم وما يسطرون) (11) 0 (والطور * وكتاب مسطور * فى رق منشور ) (12). ومن المتعارف عليه أن أدوات العلم فى ذلك الوقت كانت: القلم، والمداد (أى الحبر) والرق الذى يكتب عليه. وقد أقسم الله بهذه الأدوات الثلاث، أقسم بالنون- وهى الدواة- على ما ذهب إليه بعض المفسرين، وأقسم بالقلم- وهو وسيلة الكتابة المعهودة، وأقسم بالرق المنشور- و هو الوسيلة ” الأداة “ التى يحتفظ بالكتابة بواسطتها، وفى الحديث الذى رواه أبو داود والترمذى: ” العلماء ورثة الأنبياء ” ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) (13).، ( من خرجفى طلب العلم فهو فى سبيل الله حتى يرجع ) (14).

من هذا يتبين أن الإسلام قوة دافعة للحركة الحضارية، وأن الحضارة بجميع ألوانها أصداء للإسلام، وأن العلوم والإنتاج والتعمير من مقتضيات الإسلام.

ومن المعروف والثابت تاريخيا، أنه فى الوقت الذى كانت البلاد الإسلامية تمثل المشعل الفكرى الوضاء الذى ينشر النور فيما حوله، ويملأ الدنيا علما ومعرفة، كانت أوروبا تعيش فى حالة من الجهل والتخلف، والضياع والتمزق، ولما أرادت أن ترفع عن كاهلها عبء ذلك الوضع المهين التفتت إلى الحضارة الإسلامية، تنهل من رحيق المعرفة والفكر ما أمكنها ذلك، ولذلك عكف علماؤها ورجال الدين فيها على دراسة الآثار العلميةالتى كتبها العلماء المسلمون من أمثال ابن سينا، والرازى والبستانى وابن الهيثم، والبيرونى والخوارزمى والفارابى وابن رشد وغيرهم، فكانت هذه المؤلفات تمثل المنهل العذب الذى كان طلاب المعرفة ينهلون منه وذلك فى  العلوم الطبية والرياضية والطبيعية كالحساب والجبر والهندسة والعلوم والبصريات والفلك وعلم الجغرافيا والتاريخ.

وبناء على ما تقدم فلابد من غربلة التراث الإسلامى الذى آل إلينا فى هذا العصر لاستبقاء ما يوافق الكتاب والسنة واستبعاد ماعداه.

جـ - ومن وسائل الحفاظ على الهوية الثقافية للأمة الإسلامية زيادة الاهتمام بدراسات الشريعة الإسلامية والتقريب بين المذاهب الفقهية.

إن الشريعة الإسلامية بحكم مصدرها الإلهى تختلف عن كل الشرائع الوضعية من حيث النشأة فهى لم تنشأ عن عادات و أعراف فرضت نفسها فىزمن معين ثم إذا تغيرت الظروف تغيرت العادات والأعراف وإلا لزمنا إذا وحدنا بين الشريعة والقانون الوضعى أن نراجع الشريعة الإسلامية ونعدل بعض أو كل قوانينها لتناسب التطورات وتنسجم مع الواقع.

والشريعة الإسلامية بحكم مصدرها- إنسانية الهدف- عامة لجميع الناس شاملة لجميع جوانب الحياة- جاءت لهداية الإنسان إلى الطريق السوى، ومن هنا فهى ثابتة الأسس والمعالم لا تتغير بتغير ظواهر الحياة الواقعية، فلا ترتبط بظروف طارئة وليست نتاج جهد إنسانى أو عقل بشرى.

وغاية الشريعة الإلهية- ضبط الحركة البشرية لئلا تمضى شاردة على غير هدى فتضل الهدف، وتنتهى بالإنسان إلى نكسة تقوده إلى الضياع والتيهفى معزل الحياة.

وعظمة هذه الشريعة أغرت الأعداء من المستشرقين الذين هالهم أن تنبثق هذه الشريعة عن عقيدة ودين وبحقدهم وضغينتهم كادوا و مكروا لهذه الشريعة من نقد لأحكامها وتشكيك بمصادرها ونشر الإشاعات المغرضة حول إمكانية الشريعة لمواكبة الحياة المعاصرة وعدم قدرتها على تلبية حاجات المجتمع الحديث ونحن المسلمين يجب أن يزداد اهتمامنا بدراسة الشريعة و إظهار قدرتها وعظمتها كما سبق بذلك علماء الأمة الذين تصدوا لهذه الظواهر ولم يتوقفوا أمامها بل ناصبوهم العداء وردوا عليهم من أصل معتقداتهم، ولا يتسنى ذلك إلا إذا تحرك علماء الأمة ضمن المبادئ الكلية و المحاور الثابتة عن طريق الدعوة إلى الاجتهاد الذى يمثل فقه الواقع- الذى  يمثل الواقعية الزمانية والمكانية من حيث أن المجتهد يستطيع أن يستنبط من علوم الشريعة وعن طريق تفسيرها ما يلائم المجتمع الذى يعيش فيه.

منقول من موقع: www.islamic-council.com

رابط المقال:   http://www.islamic-council.com/conf_au/11/25.asp

التصنيفات:مقالات

الثقافة الإسلامية وأثرها في الحضارة

محمود الشرقاوى

كانت أوربا تتلقى آثار الثقافة العربية الإسلامية بوسائل وطرق كثيرة ومن أهمها وأعظمها أثرًا :

1- طريق الأندلس ، حيث أقام العرب هناك جامعات زاهرة قصدها طلاب العلم من أوربا ، ونشر هؤلاء الطلاب في بلادهم ما تعلموه من العرب ، كما انتفع الأوربيون بدور الكتب الكثيرة التي كانت منتشرة في أسبانيا ، مما ساعد على إحياء العلوم في أوربا فيما بعد .

2- طريق صقلية ، حيث ظل المسلمون في هذه البلاد زهاء 130 سنة ، فأصبحت المركز الثاني لنشر الثقافة الإسلامية في أوربا .

3- طريق الشرق ، فقد كانت الحروب الصليبية 1099-1291م) والحج إلى بيت المقدس مدعاة لاختلاط الأوربيين بالعرب فنقلوا عنهم الكثير من علومهم ومعارفهم وفنونهم وصناعاتهم، كما حصلوا على كثير من الكتب العربية ، فساعد ذلك على ظهور روح البحث ، ودراسة علوم الأقدمين وآدابهم وفنونهم .

وقد أكد علماء الغرب المنصفون أن الأوربيين تناولوا مشعل العلم من أيدى المسلمين حين اتصلوا بهم واطلعوا على حضارتهم ، فاستضاءوا بعد ظلمة، وبلغوا به بعد ذلك ما بلغوه من هذا التقدم العلمي العظيم الذي يعيشون فيه اليوم ، ولولا هذا الاطلاع وهذا الاحتكاك لظلت أوربا ، ربما لقرون عديدة أخرى تعيش في الظلام والجهالة التي رانت عليها في العصور الوسطى . وقد أجمل المؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه )حضارة العرب((1) تأثير حضارة الإسلام في الغرب وأرجع فضل حضارة أوربا الغربية إليها وقال: )إن تأثير هذه الحضارة بتعاليمها العلمية والأدبية والأخلاقية عظيم( ولا يتأتى للمرء معرفة التأثير العظيم الذي أثره العرب في الغرب الا إذا تصور حالة أوربا في الزمن الذي دخلت فيه الحضارة . وأضاف لوبون: بأن عهد الجهالة قد طال في أوربا العصور الوسطى وأن بعض العقول المستنيرة فيها لما شعرت بالحاجة إلى نفض الجهالة عنها ، طرقت أبواب العرب يستهدونهم ما يحتاجون إليه لأنهم كانوا وحدهم سادة العلم في ذلك العهد .

ويقرر لوبون أن العلم دخل أوربا بواسطة الأندلس وصقلية وإيطاليا . وأنه في سنة 1120م أنشئت مدرسة للترجمة في طليلة بالأندلس بعناية )ريمولة( رئيس الأساقفة ، وأن هذه المدرسة أخذت تترجم إلى اللاتينية أشهر مؤلفات المسلمين ، ولم يقتصر هذا النقل على كتب الرازي وابن سينا وابن رشد فحسب بل نقلت اليها كتب اليونان التي كان العرب قدنقلوها إلى لسانهم ، ويضيف لوبون أن عدد ماترجم من كتب العرب إلى اللاتينية يزيد على ثلثمائة كتاب ويؤكد لوبون فضل العرب على الغرب في حفظ تراث اليونان القديم بقوله : )فإلى العرب ، وإلى العرب وحدهم ، لاإلي رهبان القرون الوسطى ممن كانوا يجهلون حتى وجود اللغة اليونانية ، يرجع الفضل في معرفة علوم الأقدمين ، والعالم مدين لهم على وجه الدهر لإنقاذهم هذا الكنز الثمين . وأن جامعات الغرب لم تعرف لها ، مدة خمسة قرون ، موردًا علميًا سوى مؤلفاتهم وأنهم هم الذين مدنوا أوربا مادة وعقلاً ، وأخلاقًا، وأن التاريخ لم يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير ، وأنه لم يفوقهم قوم في الإبداع الفني .

وأكد لوبون أثر الاسلام وأثر حضارته في كل بلد استظلت برايته قائلاً : كان تأثير العرب في عامة الأقطار التي فتحوها عظيمًا جدًا في الحضارة ، ولعل فرنسا كانت أقل حظاً في ذلك ، فقد رأينا البلاد تتبدل صورتها حينما خفق علم الرسول الذي أظلها بأسرع مايمكن ، ازدهرت فيهاالعلوم والفنون والآداب والصناعة والزراعة أي ازدهار . وأشاد لوبون بفضل العرب في نشر العلوم وفتح الجامعات في البلاد التي استظلت برايتهم فيقول : ولم يقتصر العرب على ترقية العلوم بما اكتشفوه ، فالعرب قد نشروها ، كذلك بما أقاموا من الجامعات وما ألفوا من الكتب ، فكان لهم الأثر البالغ في أوربا من هذه الناحية ، ولقد كان العرب أساتذة للأمم المسيحية عدة قرون ، وأننا لم نطلع على علوم القدماء والرومان الابفضل العرب ، وأن التعليم في جامعاتنا لم يستغن عما نقل إلى لغاتنا من مؤلفات العرب(2).

ويقول الفيلسوف الفرنسي )ارينيه جينو(  الذي أسلم وتسمى عبدالواحد يحيى : )والأثر الواضح الذى يثبت لنا انتقال المؤثرات الثقافية من المسلمين إلى أوربا هو تلك الكلمات العربية الأصل التي تستعمل لنقل الأفكار وإظهار ماتكنه النفوس فإن من السهل علينا أن نستنتج انتقال تلك الأفكار والآراء الإسلامية نفسها ، وفي الحق أن تأثير الحضارة الإسلامية قد تناول إلى درجة بعيدة وبشكل محسوس كل العلوم والفنون والفلسفة وغير ذلك ، وقد كانت أسبانيا مركز الوسط الهام الذي انتشرت منه تلك الحضارة . فالكيمياء احتفظت دائما باسمها العربي وعلم الفلك أكثر اصطلاحاته الخاصة ماتزال محتفظة في كل اللغات الأوربية بأصلها العربي ، كما أن كثيرا من النجوم مايزال علماء الفلك في كل الأمم يطلقون عليها أسماء عربية . ومن السهل جدًا ان نوضح أن كثيرًا من المعارف الجغرافية عرفت من الرحالة العرب الذين جابوا كثيرًا من  الأقطار وحملوا معهم معلومات جمة . وأننا لنجد أثر الثقافة الإسلامية في الرياضيات أكثر وضوحًا ، وهذا علم الحيوان الذي يسهل علينا من اسمه العربي أن نعرف طريق انتقاله إلى الغرب ، كما أن الأرقام الحسابية التي يستعملها الأوربيون هي نفس الأرقام التي استعملها العرب ، وأن كثيرًا من المعاني التي جادت بها قرائح الكتاب والشعراء المسلمين أخذت واستعملت في الأدب الغربي ، كما نلاحظ أن أثر الثقافة الإسلامية واضح كل الوضوح وبصفة خاصة في فن البناء وذلك في العصور الوسطى .

ولم تكن هناك وسيلة لتعرف أوربا الفلسفة اليونانية الا عن طريق الثقافة الإسلامية لأن التراجم اللاتينية لافلاطون وأرسطو لم تنقل أو تترجم من الأصل اليوناني مباشرة وإنما أخذت من التراجم العربية وأضيف إليها ماكتبه المعاصرون المسلمون مثل ابن رشد وابن سينا في الفلسفة الإسلامية .

ثم ينتهي رينيه جينو بقوله : هذا جزء من كل من أثر الثقافة الإسلامية في الغرب ولكن الغربيين لايريدون أن يقولوا به لأنهم لا يريدون الاعتراف بفضل الشرق عليهم، ولكن الزمن كفيل بإظهار الحقائق(3).

كان تأثير الثقافة الإسلامية على أوربا تأثيرًا عميقًا في شتى نواحى الحياة وفيما يتصل بالمعارف والعلوم والفنون .

1 –   في الأدب :

قامت صلة وثيقة بين طائفة من عباقرة الشعر في أوربا بأسرها ، خلال القرن الرابع عشر الميلادي وما بعده ، وموضوعات الأدب العربي والثقافة الإسلامية على وجه لايقبل التشكيك . ونخص بالذكر من هؤلاء بوكاشيو وبترارك ودانتي وهم من أعلام النهضة الايطالية ، وشسر الكاتب الانجليزي الشهير ، وسرفانيتس الأسباني ، وإلى هؤلاء يرجع الأثر والتأثير البارز في قيام النهضة الأوربية في أوربا .

ففي عام 1346م كتب بوكاشيو حكاياته التي سماها )الليالي العشرة( وحذا فيها حذو ليالي ألف ليلة وليلة التي كانت منتشرة حكاياتها في مصر والشام ، وقد ضمن حكاياته مائة حكاية على غرار ألف ليلة وليلة وأسندها إلى سبع من السيدات وثلاثة من الرجال الذين اعتزلوا في بعض ضواحي المدينة فرارا من مرض الطاعون . وفرضوا على كل منهم حكاية يقصها على أصحابه في كل صباح لقضاء وقت الفراغ وقتل الملل ، وقد ملأت هذه الحكايات أقطار أوربا واقتبس منها الكاتب الإنجليزي )وليم شكسبير( موضوع مسرحية )العبرة بالخواتيم( كذلك اقتبس منها )ليسينج( الألماني مسرحية )ناتان الحكيم(. وكان شوسر إِمام الشعر الحديث في اللغة الإنجليزية من أكبر المقتبسين من بوكاشيو في زمانه ، لأنه التقى به حين زار إيطاليا ونظم بعد ذلك قصصه المشهورة باسم )قصص كانتربري( .

وكانت صلة دانتي(4) بالثقافة الإسلامية وثيقة، لأنه أقام في صقلية في عهد الملك فردريك الثاني، الذي درس الثقافة الإسلامية في مصادرها العربية الأصيلة . وقد لاحظ أحد المستشرقين أن الشبه قريب جدًا بين وصف الجنة في كلام الصوفي الكبير محي الدين بن عربي (1164-1240م) في مؤلفه الكبير )الفتوحات المكية( وأوصاف دانتي لها في الكوميديا الالهية .

وقد كان دانتي يعرف شيئا غير قليل من سيرة الرسول S ، فاطلع على الأرجح من هذا الباب على قصة الإسراء والمعراج ومراتب السماء ، ولعله اطلع على رسالة الغفران لأبي العلاء المعرى ، واقتبس من كل هذه المصادر معلوماته عن العالم الآخر التي أوردها في الكوميدا الالهية وأكبر القائلين بالاقتباس على هذا النحو هو عالم من أمة الأسبان انقطع للدراسات العربية : وهو الأستاذ آسين بالسيوس(5) Asin Pa(acion .

وقد عاش بترارك في عصر الثقافة الإسلامية بإيطاليا وفرنسا ، ودرس العلم بجامعتي مونبلييه وباريس بفرنسا وكلتاهما قامتا على تلاميذ علماء المسلمين في الجامعات الأندلسية .

أما سرفانتيس فقد عاش في الجزائر بضع سنوات وألف كتابه )دون كيشوت( بأسلوب لا يشك من يقرأه في اطلاع كاتبه على العبارات العربية والأمثال التي لاتزال شائعة بين العرب حتى هذه الأيام . وقد جزم برسكوت Prescott صاحب الاطلاع الواسع على تاريخ الأسبان بأن فكاهة )دون كيشوت( كلها أندلسية في اللباب .

أما عن الشعر ، فقد قال دانتى إِنّ الشعر الايطالي ولد في صقلية بفضل الشعر العربي وبتأثير منه ، ولقد شاع نظم الشعر بالعامية في إقليم بروفانس في جنوب فرنسا ، وانتشر الشعر في ذلك الإقليم على يد الشعراء الجوالين الذين عرفوا باسم )التروبادور( وواضح أن الأوربيين اشتقوا هذا الاسم من كلمة طروب العربية . وقد وجدت في أشعار الأوربيين بشمال الأندلس كلمات عربية وأشارات لعادات إسلامية .

والشعر العربي الأندلسي في الموشحات والزجل كان السبب في نشأة الشعر الأسباني نفسه، والمرجح أن أول من ابتكر الموشح هو مقدم بن معافي القبري الضرير 992م وثلاثة آخرون أثروا هذا اللون من النظم )لسهولة تناوله وقرب طريقته( كما يقول ابن خلدون في مقدمته .

والزجل يكون عادة باللغة الدارجة بينما يكون الموشح بالعربية الفصحى . وهذان اللونان من النظم من ابتكار أهل الأندلس وهما اللذان أثرًا في نشأة الشعر الأوربي ، وقد أثبت الباحثون انتقال بحور الشعر الأندلسي والموسيقي العربية إلى أوربا.

وامتد التأثير العربي في نشأة الشعر الأوربي إلى بعض الموضوعات كالمغامرات ، وطريقة علاج هذه الموضوعات ، كما يتمثل هذا في فكرة الحب العذري التي تسود الغزل في الشعر البروفنسالي ، فإنه يرتد إلى الشعر الأندلسي ، وأزجال ابن قزمان، وقد عرض فكرة الحب العذري ، ابن حزم الأندلسي في كتابه )طوق الحمامة( .

أما في مجال القصة الأوربية فنجد أن هذه القصة تأثرت في نشأتها بما كان عند العرب من فنون القصص في العصور الوسطى وهي : المقامات، وأخبار الفروسية ، وأمجاد الفرسان مغامراتهم لإحراز المجد أو في سبيل الحب .

وترى طائفة من النقاد الأوربيين أن رحلات )جليفر( التي ألفها سويفت ، ورحلة )روبنسون كروزو( التي ألفها ديفوى ، تدين لقصص ألف ليلة وليلة ، ولرسالة حى بن يقضان التي ألفها الفيلسوف الأندلسي المسلم ابن الطفيل ، وقد وضح أنه كان لترجمة ألف ليلة وليلة إلى اللغات الأوربية أول القرن الثاني عشر أثر عظيم وبالغ الخطورة على الأدب الأوربي .

ولم تنقطع الصلة بين الأدب الإسلامي والآداب الأوربية الحديثة حتى اليوم . ويكفي لبيان الأثر الذي أبقاه الأدب الإسلامي في آداب الأوربيين أننا لا نجد أديبا واحدا من نوابغ الأدباء عندهم قد خلا شعره أو نثره من الإشارة إلى بطل إسلامي ، أو نادرة إسلامية . ومن هؤلاء : شكسبير ، أديسون، بايرون ، سودى ، كولردج ، شيلي من أدباء الإنجليز، ومن أدباء الألمان ، جيته ، هرور، وليسنج، ومن أدباء فرنسا : فولتير، لافونتين . وقد صرح لافونتين باقتدائه في أساطيره التي ألفها بكتاب كليلة ودمنة الذي عرفه الأوربيون عن طريق المسلمين .

2 - في الفلسفة :

كان أثر المسلمين في التفكير الفلسفي لأوربا عظيمًا ، وكانت أسبانيا هي مركز تأثير الفلسفة الإسلامية على الفكر الأوربي الغربي لأن أوربا لم تعرف فلاسفة الشرق إلا عن طريق الأندلس حيث أشرف ريموند أسقف طليطلة على ترجمة أعمال الفارابي وابن سينا والغزالي وغيرهم والعرب هم الذين حفظوا فلسفة كبار فلاسفة اليونان وعلى ما سطروه في كتبهم وبخاصة أرسطو وأوصلوا هذا التراث إلى الغرب . فاتصال العقلية الأوربية الغربية بالفكر العربي هو الذي دفعها لدراسة الفلسفية اليونانية .

وقد قرر روجر بيكون أن معظم فلسفة أرسطو ظلت عديمة الأثر في الغرب لضياع المحفوظات التي حوت هذه الفلسفة أو لندرتها وصعوبة تذوقها حتى ظهر فلاسفة المسلمين الذين قاموا بنقل فلسفة أرسطو وشرحها وعرضها على الناس عرضًا شاملاً.

ومن فلاسفة الأندلس الذين كان لهم أعمق الأثر في الفكر الأوربي ، ابن باجه ، وابن الطفيل، وابن رشد .

ويعد ابن رشد الشارح الأعظم لفلسفة أرسطو، وكان أول من أدخل فلسفة ابن رشد إلى أوربا )ميخائيل سكوت( سنة 1230م . ولم يأت منتصف القرن الثالث عشر حتى كانت جميع كتب هذا الفيلسوف قد ترجمت إلى اللاتينية . ولم ينتصف القرن الخامس عشر حتى صار ابن رشد صاحب السلطان المطلق في كلية بارو بإيطاليا والمعلم الأكبر دون منازع(6).

ويبدو أثر ابن رشد واضحًا في خروج كثير من الغربيين على تعاليم الكنيسة وتمسكهم بمبدأ الفكر الحر وتحكيم العقل على أساس المشاهدة والتجربة . وقد ظهر أثر آراء ابن رشد واضحًا في فلسفة القديس توما الأكويني (1125-1274م) حتى أن الفصول التي كتبها توما في العقل والعقيدة وعجز العقل عن إدراك الأسرار الإلهية ليست إلا مقابلاً لما كتبه ابن رشد في باب )فضل المقال فيما بين الحكمة والشريعة ومن الاتصال( وبلغ تأثر توما بفلسفة ابن رشد أن كتاب )الخلاصة( لتوما يحوي بعض مذاهب إسلامية الأصل ، مما يثبت أن الأثر الذي تركه ابن رشد في عقلية الغرب لم يكن مجرد لشروح كتابات أرسطو وإنما كان أبعد وأعمق من ذلك بكثير(7) .

ويعد الفيلسوف الألماني المعاصر كانت Kant من أكبر تلاميذ ابن رشد يقول جوستاف لوبون عن ابن رشد إِنه : كان الحجة البالغة للفلسفة في جامعاتنا منذ أوائل القرن الثالث عشر من الميلاد، لما حاول لويس الحادي عشر تنظيم أمور التعليم في سنة 1473م أمر بتدريس مذهب هذا الفيلسوف العربي ومذهب أرسطو(8) .

وكان للفيلسوف الصوفي محي الدين بن عربي (560هـ / 1164م – 638هـ / 1240م) أثر كبير في عقول النساك والمتصوفة من فقهاء المسيحية الذين ظهروا بعده .

يرى الأستاذ آسين بلاسيوس الأسباني أن نزعات دانتى الصوفية وأوصافه لعالم الغيب مستمدة من محي الدين بن عربي بغير تصرف كثير .

ومن المعلوم أن أول الفلاسفة الصوفيين من الغربيين هو جوهان أكهارت الألماني فقد نشأ في القرن التالي لعصر ابن عربي ودرس في جامعة باريس، وهي الجامعة التي كانت تعتمد على الثقافة الأندلسية في الحكمة والعلوم ، وأكهارت يقول كما يقول ابن عربي ، إِن الله هو الوجود الحق ولا موجود سواه ، وأن الحقيقة الإلهية تتجلى في جميع الأشياء ولا سيما روح الإنسان التي مصيرها إلى الاتصال بالله من طريق الرياضة والمعرفة والتسبيح ، وأن صلة الروح بالله ألزم من صلة المادة بالصورة ، والأجزاء بالكل ، والأعضاء بالأجسام(9).

وقد اقتبس الفيلسوف المتصوف الأسباني – رايموندلول – من ابن عربي خاصة في كتابه )أسماء الله الحسنى( لأنه كان يحسن العربية ، وعاش بعد ابن عربي بقرن واحد ، وجعل أسماء الله مئة ، وهي لم تعرف بهذا العــدد في الديانـــة المسيحية قبل ذاك .

3 – في الطب :

جاء الإسلام فقضى على الكهانة وفتح الباب للطب الطبيعي على مصراعيه لأنه أبطل المداواة بالسحر والشعوذة ولم يحدث في مكان الكهانة طبقة جديـدة تتولى العلاج باسم الدين ، بلسمح للنبي – عليه الصلاة والسلام – باستشارة الأطباء ولو من غير المسلمين فلما مرض سعد بن أبي وقاص في حجة الوداع عاده النبي وقال له : )إِني لأرجو أن يشفيك الله حتى يضر بك قوم وينتفع بك آخرون(، ثم قال للحارث بن كلدة : )عالج سعدًا مما به( والحارث على غير دين الإسلام . وذكر القرآن الكريم لقمان الحكيم ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّه﴾ ومنها التطبيب أو هي الطب قبل سائر ضروب الحكمة ، فجعل الإسلام هذه الصناعة نعمة يشكرها من أسبغها الله عليه ، واتخذها وظيفة معترفاً بها .

كان الطب العربي الإسلامي يستهدف حفظ الصحة على الأصحاء – وهذا هو الجانب الوقائي الذي نسميه الآن بعلم الصحة ، وقد توصّلوا إلى الوقاية من الأمراض بدراسة الجسم ووظائف أعضائه ، وحاولوا الكشف عن أسباب الأمراض وطرق انتشارها ، لمعرفة أساليب الوقاية منها ، كما يستهدف الطب الإسلامي رد الصحة إلى المرضى، وهذا هو شفاء الأمراض .

وقد تشعب الطب العربي الإسلامي في العصور الوسطى فروعًا تخصص في كل منها فريق من الأطباء يقول ابن قيم الجوزية (ت 751هـ – 1350م) : الطبيب هو الذي يختص باسم الطبائعي، وبمروده (وهو الكحال أي طبيب العيون) وبمبضعه وهو الجرائحي (أى الجراح) وبموسه وهو الخاتن ، وبمحاجمه وشرطه وهو الحجام ، وبخلعه ووصله ورباطه وهو المجبر، وبمكواته وهو الكواء ، وبقربته وهو الحاقن ، وسواء كان طبه لحيوان بهيم – بيطري ، أو إنسان فاسم الطبيب يطلق على هؤلاء جميعًا . بل إِنهم عرفوا التخصص في طب الأسنان وأمراض التوليد والنساء والأطفال ، والعيون – بل حتى طب الأمراض النفسية والعصبية . وقد التزم الأطباء بميثاق أخلاقي يعود إلى أبقراط 370 ق. م. بل تنحدر بعض تعاليمه إلى مصر القديمة . وقد أوجب الخليفة المقتدر عام 319هـ / 931م على من يزاول مهنة الطب أن يجتاز امتحاناً يرخص له بمزاولة المهنة ، وتقدم للامتحان في بغداد وحدها نحو تسعمائة طبيب ، غير مشاهير الأطباء والصيادلة يخضعون للرقابة وفقًا لنظام الحسبة في الإسلام .

وكان هذا وغيره في الإسلام في وقت حرمت فيه الكنيسة في أوربا صناعة الطب ، لأن المرض عقاب من الله لا يجب علاجه أو منعه ورده ، وظل الطب محرمًا في أوربا حتى عصر الإيمان في مستهل القرن الثاني عشر أبان الحضارة الأندلسية .

وقد عرفت في طب العرب موسوعات طبية إسلامية ترجمت كلها إِلى اللاتينية اطلع عليها أطباء أوربا ونهلوا من معينها حتى مطلع العصور الحديثة، كان في مقدمتها كتاب القانون لابن سينا في القرن الثاني عشر. وقد جمع خلاصة الطب عند العرب واليونان والسريان والأقباط ، وضم ملاحظات جديدة عن الالتهاب الرئوي وعدوى السل . مع وصف لسبعمائة وستين دواء . وقد ترجمه جيرار الكريموني إلى اللاتينية وطبع عشرات المرات .

كما ترجم الحاوي للرازي (ت 320هـ/ 926م) وهو أكبر من القانون وأوسع مادة وموضوعًا ، وقد أكمله تلاميذ الرازي بعد موته ، وترجم إلى اللاتينية في عام 1486م . وفيه آراء جديدة عن الفتق والحجامة والحميات وأعصاب منطقة الحنجرة وعضلاتها ، وله كتاب المنصوري الذي ترجم عام 1481م ورسالة عن الجدري(10) والحصبة بوصف وتشخيص آية في الدقة لأول مرة.

ولعل الرازي كان أول واضع لعلم الطب التجريبي ، فقد كان يجري تجاربه على الحيوانات ، فيجرع القردة الزئبق ، ويختبر تأثير الأدوية على الحيوانات ويسجل عليها العمل اليوم ، فكان يدع مريضه يسرد قصته على سجيته ، ثم يسأله عن أحواله الحاضرة مفصلاً ، ثم عن سوابقه الشخصية والأرثية ، ويدون جميع ذلك في سجل خاص ، ويحفظه للرجوع إليه ، كلما لزم ذلك .

وكان الكتاب الملكي في الطب لعلي بن عباس (ت 384هـ / 994م) شائعًا عند الأوربيين لستة قرون من الزمان(11)، كما كان خلف بن قاسم الزهراوي (ت414هـ/1013م) معروفاً عند الأوربيين بكتابه : )التصريف لمن عجز عن التأليف( بأجزائه الثلاثة . وقد أفرد القسم الأخير منها للجراحة ، وفيه أشار إلى أهمية التشريح للجراح ، ووصف كثيرًا من الجراحات باسهاب ، وأجرى جراحات في شق القصبة الهوائية وتفتيت الحصارة في المثانة وخاصة عند النساء عن طريق المهبل . وسبق إلى استخدام ربط الشرايين ، ووصف استعداد بعض الأجسام للنزيف وعلاجه بالكى ، وقد زود كتابه برسوم للآلات الجراحية . وقد ترجمه إلى اللاتينية جيرار الكريموني وطبع في أوربا عشرات المرات ، وكان مرجعًا في جامعات سالرنو ومونيليه وغيرهما .

وفطن العرب إلى أمراض النساء والولادة ، وحسبنا أن نشير إلى ما كتبه أمثال علي بن عباس في توليد الجنين الميت ، والأدوية المانعة للحمل ، أو النصائح التي تتعين مراعاتها عند التوليد .

أما في علم الرمد فإن حنين بن اسحق = 877م كان أول من طبع العربية بطابع الأسلوب العلمي ، وكان كتابه )العشر المقالات في العين( أو كتاب موجود اصطنع في طب العيون منهجًا علميًا، وزود برسوم شيقة ، وهي أول وأدق رسوم عرفت في تشريح العين كما يقول ناشر الكتاب بالقاهرة ماكس ما يرهوف – ويقول مؤرخ الطب العربي أدور براون : إن يوحنا بن ماسوية+ 827م قد وضع كتابه )دغل العين( فكان أول كتاب عربي في علم الرمد وأقدم ما وضع في طب العيون في مختلف اللغات القديمة .

وكان الأطباء العرب في القرن العاشر، يعلمون تشريح الجثث في قاعات مدرجة خصصت لذلك في جامعة صقلية . واكتشف ابن النفيس الدمشقي المصري الدورة الدموية الصغرى ، ونقلها عنه )هارفن( الإنجليزي وعزاها لنفسه ومثل ذلك فعل )سرفينوس( الإيطالي ، ويدعم ذلك ما قاله المؤرخ المعاصر )مايرهوف( : )إن ما أذهلني حقًا، مماثلة الجمل الأساسية في أقوال هذين الطبيبين لما كتبه ابن النفيس وكأنها ترجمت ترجمة حرفية( ، ويؤيد ذلك ايضًا العالم )الدوميالي( في كتابه عن علوم العرب، كما يؤيده الأستاذ الدكتور ليون بينه (eon Binet أستاذ الفسيولوجيا بباريس .

الهوامش :

(1) جوستاف لوبون : حضارة العرب ص 26، 568 .

(2) جوستاف لوبون : حضارة العرب ، ص 26، 66 ، 569.

(3) الفيلسوف رينيه جينو أو عبد الواحد يحيى للدكتور عبد الحليم محمود ، ص 50 – 60 .

(4)    هو دانتى البجيري (1265-1321م) وهو من مفاخر عصر النهضة ، وهو صاحب الكوميديا الالهية ، وقد قام بترجمتها إلى اللغة العربية الدكتور حسن عثمان .

(5) انظر أيضًا : عبد الرحمن بدوي : دور العرب في تكوين الفكر الأوربي . بيروت 1965، ص 63-84 .

(6) جوده هلال ومحمد صبح : قرطبة في التاريخ الإسلامي ، ص104-105 .

(7) سعيد عاشور : فضل العرب على الحضارة الأوربية . القاهرة 1957 ، ص 36 .

(8) دوستاف لوبون : حضارة العرب ، ص 569 .

(9) عباس محمود العقاد : أثر العرب في الحضارة الأوربية . القاهرة 1963 ، ص 98-99 .

(10)   لاروس القرن العشرين : انظر الرازي .

(11)   سيديو : تاريخ العرب العام 2/77 .

منقول من موقع : www.burhanukum.com

رابط المقال : http://www.burhanukum.com/article782.html


التصنيفات:مقالات

حوار حول الثقافة مع د..الحبر يوسف

الدكتور الحبر يوسف نور الدائم علم سوداني بارز واحد رموز الثقافة العربية والإسلامية في السودان، من تلاميذ البروفسور المرحوم عبد الله الطيب وكثير من الناس يرشحونه لخلافته، عمل محاضراً بجامعة الخرطوم لأكثر من ثلاثة عقود، قدّم الكثير من البرامج الإذاعية الثقافية أشهرها حلقات في تفسير القرآن الكريم وهو إلى جانب ذلك داعية متمكن وأحد أبرز قيادات العمل الإسلامي بالسودان.

عالماً أديباً زاهداً متواضعاً لم تزده المناصب إلا تواضعاً، يقبل على محدثه بكليته ويحتفي به ويجمِّل اللقاء بروحه المرحة التي عرف بها.

يسرنا أن ننقل هذا الحوار الذي دار معه حول الثقافة الإسلامية ومصادرها.

نود أولاً أن تعرّف لنا (الثقافة) إذ أصبحت من المصطلحات التي أختلف الناس حولها، وصاروا مذاهب ومدارس ؟

د. الحبر نور الدائم: يجب تعريف الثقافة لأنها كلمة تقال ولا يعرف الناس لها تفسيراً، والكلمة عربية من ثقف إذا قوّم، تقول ثقف فلان العود، إذا قومه حتى يصبح سوياً مستقيماً، ولهذا؛ الصلة بين الثقافة والأخلاق والسلوك الإنساني صلة وثيقة لا انفصام لها، فالمثقف هو الذي يتصرف تصرفاً مثقفاً مهذباً، لكن لابد فيها من اللجوء إلى التجارب الإنسانية وهذه تحتاج لمقاييس ومعايير، فما المقياس والمعيار؟ ما لم ترتبط هذه المسألة بالوحي فإن الإنسان يخبط خبط عشواء، ويضيع، لأن مسألة الأخلاق والسلوك العملي للإنسان لا تستطيع أن تفصلها عن منشئ الكون، ولذلك عندما تكلم الفيلسوف الألماني “كانت” عن الألوهية من ناحية نظرية قال إنه يمكن للإنسان أن ينفيها نظراً، لكن من الناحية الواقعية والسلوكية فالأخلاق لاقوام لها إلا بها، لهذا قالوا إن “كانت” أدخل الإله من الباب وأخرجه من النافذة، والعرب والمسلمون بصفة عامة ما ضاعوا إلا يوم إن ضاعت هذه المعاني وهذا المعيار الذي تقاس به الأمور ، فالتفسخ والانحلال وعدم الالتزام بالشرع قد يظنه البعض ضرباً من ضروب التقدم، والهرطقة الفكرية والانحراف عن سواء السبيل قد يظنه بعضهم ضرباً من ضروب حرية الفكر والتفلسف لذلك لابد من تحديد المعيار الذي به نقيس الأمور ونحدد المصطلحات، ذكرت في مناسبات كثيرة أن الإنسان العادي الأمي الذي أدرك شيئاً من حكمة الوجود ويعرف الواجبات الشرعية من صلاة وصلة رحم، خيرٌ من إنسان نال شيئاً من تعليم لكنه لم يفضي به إلى استقامة. والثقافة إذاً أصبحت شعاراً وأفرغت من مضمونها الأخلاقي والسلوكي أصبحت كأنها صيحة من الصيحات أو موضة أو مظهر أو شكل، فالثقافة ترتبط ارتباطا وثيقاً بالسلوك والسلوك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالوحي الذي يضبط المصطلحات.

هذا يقودنا إلى الحديث عن الثقافة الإسلامية ما هي خصائصها وأهم مصادرها وتاريخها ورجالها ؟

د. الحبر يوسف: الثقافة الإسلامية لها مصادرها ولها تاريخها ولها رجالها، فليس بالمثقف في نظر الإسلام من لا يعرف قرآناً ولا سنة ولا أقوال السلف مهما أدعى، فهناك قدر معرفي لابد من توافره ليطلق على الإنسان أنه مثقف، ثم هذا القدر المعرفي مهما بلغ من مدى لا يبيح أن نطلق لفظ المثقف المسلم على إنسان ما لم ترتبط بالسلوك المنضبط . وكما قال الشاعر:

وإن تقرأ علوم الأرض ألفاً    بلا عشق فما حصلت حرفاً

فلو حفظت القرآن وجودته ما أنت في النظر الإسلامي بحامل للقرآن ما لم تعمل به وتتخلق وتتمثل هذه القيم التي يدعو لها القرآن، فالأمر ليس بمجرد المعرفة النظرية، لهذا نجد أن القرآن يربط ذلك الربط الوثيق بين الإيمان والعمل، ويبين أن البر ليس مجرد صور وأشكال لا تعلق لها بالقيم (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) (البقرة: من الآية177)، وحرص الرسول صلي الله عليه وسلم أن يعلمنا أن الله عز وجل لا ينظر إلى الصور والأشكال وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال في الحديث المشهور يشير إلى صدره ويقول التقوى ها هنا.

فمصادر الثقافة الإسلامية تتمثل في القرآن والسنة الصحيحة وفي اجتهاد المسلمين فيما بعد لفهم هذين المصدرين، ولهذا نجدهم يقولون بالإتباع لا الابتداع والتنفيذ لا بالافتراض، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول صلي الله عليه وسلم، بعد ذلك الإستفادة من كل تجربة نافعة ومن كل فكرة متسقة مع النصوص ولاتصادمها، والحكمة ضالة المؤمن نشدها أني وجدها لا يضيره من أي وعاء خرجت ولهذا المسلم المثقف فكرياً واسع النظر (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) (يونس:101)، فالسموات والأرض كلها مادة للتفكير والنظر، يأخذ لكنه أخذ المستبصر البصير ولا يأخذ من كل من أدبر وأقبل، فهنالك تيارات كثيرة ولابد للمسلم من أن تكون له ملكة التمييز والتفكير الموضوعي والنظر النقدي فلا يخشي عليه، وما أثر عن الرسول صلي الله عليه وسلم من انه غضب عندما رأي صحيفة من التوراة في يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهذه إنما يراد بها أولاً أن تتشبع وتتضلع في هذا العلم الذي جاء وضيئاً يرشد للمحجة البيضاء ثم من بعد تقرأ ما شئت وتعلم ما شئت، كالكتابة فالكتابة أول العهد ، أمر النبي صلي الله عليه وسلم من كتب شيئاً غير القرآن فليمحه، ولكن عندما بلغ المسلمون مبلغاً من العلوم بالقرآن لا يخشى عليهم عندها أبيحت الكتابة ، فكأنما هذه لضرورة التكوين الفكري، والأصل فيها ليس المنع، والمنع من ضروب الاستثناء، ونحن مأمورون بمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن فلابد من معرفة ما عندهم حتى نستطيع أن نرد عليهم.

والمسلمون عندما أتصلوا بغيرهم وعرفوا الفلسفة الإغريقية مثلاً، منهم من سحقته هذه الفلسفة الوافدة، فقبلوا حتي بعض الذي يصادم نصوصاً شرعية قاطعة، وبعضهم أوصد الباب تماماً بالضبة والمفتاح وقالوا من تمنطق فقد تزندق، ومنهم من نظر نظراً حكيماً، وهؤلاء تفاوتوا أيضاً في النظر منهم من ابتدأ بالقرآن الكريم والحديث الشريف واللغة العربية وهكذا حتى استوى عوده ونظر في هذه الفلسفة الوافدة، ومنهم من كرس جهداً كبيراً لمعرفة هذا الذي وفد وأصبح فيه كأنه من أهله، ثم من بعد رأي أن يرجع للكتاب والسنة، وأضرب مثلين لذلك، المثل الأول لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي نظر في المنطق الإغريقي وهدم ما لا يتسق مع الفكر الإسلامي الصحيح بعد أن صار عنده أساس متين، والإمام أبو حامد الغزالي ابتلع الفلاسفة وألف كتاب مقاصد الفلاسفة وكانت بضاعته في الحديث مزجاة فرجع إلي الحديث وحاول أن يتقيأ الفلاسفة فلم يستطيع فبقيت منهم رواسب عالقة في الذهن ومات والبخاري على صدره ، وكفّر الفلاسفة لأنهم قالوا بقدم العالم وقالوا بأن الأجساد لا تبعث وقالوا أن الله يعلم علماً كلياً ولكنه لا يحيط بالجزئيات وألّف كتاب تهافت الفلاسفة وكان يشير إلى إبن سينا والفارابي ومن سلك سبيلهما لأن تأثيرهما بالفلسفة كان اكبر مما يجب فقد جاهدا جهاداً كبيرا ليوفقا بين ما سموه بالحكمة ويعنون به الفلسفة وبين الشرع، بين المعقول والمنقول ، مع أن الأصل أن أي شئ لا يتفق مع ما عندنا من الحق فهو دبر الإذن وتحت القدم، وسموا أرسطو المعلم الأول وعنده ما عنده من هرطقات كنظرية المحرك الذي لايتحرك وأن الله تعالي خلق الخلق ولم يتحرك مع أن الله تعالي يقول (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) (المؤمنون:17)، وأصلاً معرفة ما وراء الطبيعة لاتتم إلا عن طريق الوحي لأن هذه لا تخضع للتجربة. ورغم التقدم الهائل في مجال التكنولوجيا والعلوم الطبيعية، لكن الجوانب الإنسانية لم يكن لها حظ من التقدم والازدهار، فالمرء الذي لا يدرك أن هذا الإنسان ذو أبعاد روحية وجسدية ونفسية لا يمكن أن تطلق عليه مثقف، والذي يظن أن التقدم التقني تقدم في كل المجالات لا يمكن أن نطلق عليه مثقف والذي يظن أن هذا العالم وجد بمحض الصدفة وانبثق عنها هذا العالم المنتظم لا يقال عنه عاقل فضلاً عن أن يقال عنه مثقف فالعربي البسيط الذي قال إن البعرة تدل على البعير والسير يدل على المسير بفطرته اهتدى للذي لم يهتد إليه المثقفون المدعون، والطبيعة لا تخلق شيئاً وهي نفسها مسخرة ومذللة، وأعني أن النواحي الفلسفية تدخل في موضوع الثقافة دخولاً مؤثراً وتحتاج إلى إطار تعمل فيه.

ومن الناس من بهرته الحضارة الغربية وشلّت تفكيره فأراد للناس أن يتبعوها اتباعاً أعمي في كل ما تأخذ وتدع ونحاكي أساليبهم في كل شئ ، نأخذها بحلوها ومرها وبما يمدح فيها وما يذم فهذا نظر إنسان مشلول، ومنهم من أوصد الباب حتى لا يستفيد من معطيات العصر من أدوات وأجهزة، فعندنا من كان يستنكر استعمال المايكروفون مثلاً في المساجد والتعامل مع الأجهزة الحديثة، فهذه أدوات وأجهزة محايدة في نفسها وإنما تخرج ما يدخل فيها فإذا جاء إنسان صالح يمكن أن يحول هذه الأدوات إلى أدوات نافعة والعكس بالعكس.

من أخطر أنواع الغزو-برأينا – الغزو الثقافي لأنه يبدل المفاهيم والقيم ويستلب الإرادة والفكر فما هي حقيقة الغزو الثقافي وخطورته؟ وكيف نواجهه؟

د. الحبر يوسف: هذه الأمة مهما نزلت بها من كوارث وأحاطت بها من مصائب فإنها لن تُستأصل، وستكون هنالك طائفة قلت أو كثرت ضعفت أو قويت على الحق ظاهرة لا يضرهم من خذلهم، فهناك دعاة إلى الله مازالوا يلتمسون الحق في كتاب الله عز وجل وفي سنة الرسول صلي الله عليه وسلم على مناهج قوية وطبعاً هنالك أعداء، لذلك هنالك مجاهدة ومدافعة ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ) (البقرة: من الآية251) فالمهزومون نفسياً أمام الغرب والشرق سيحاولون جاهدين أن يصدوا عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، ويلقون التهم على الصالحين والبرآء من الناس وهي اتهامات خاوية كالتخلف الفكري وأنهم مانالوا حظاً من ثقافة ولا نصيباً من علم لاختلال المقاييس عندهم، ومن الناس من يحاول أن يبدل معاني المصطلحات كمصلح التجديد وهو مصطلح شرعي ففي الأمة مجددون وغرباء يصلحون ما أفسد الناس، لكن كلها مصطلحات تملأ بمضامين ومعانٍ تبعدها عن محتواها.

هناك موجات ضخمة من البث الفضائي الهائل وتدفق إعلامي وافد ضخم وكبيرـ كيف برايكم يمكن أن نواجه هذا؟

د. الحبر يوسف: إذا قابل الإنسان الوافد عن طريق الفضائيات والاتصال بقلب فارغ وعقل خاوٍ، يصبح كالريشة في مهب الريح، لكن من يقابله بعقل ناصح وقلب سليم يمكن أن يستفيد، وبعض الناس يقولون نأخذ الحضارة ككل وهذا ليس صحيح فالإنسان لديه ملكة التمييز ويجب أن يكون لديه العقل النافذ.

والأمة إذا كانت مستضعفة بمعني وجود قوة مادية أكبر منها، فيمكن للأمة المستضعفة إذا كانت تتحلى بالقوة الروحية وتمتلك المبادئ والقيم يمكن لها أن تؤثر علي القوة الغالبة، وحدث هذا في التاريخ، فالتتار كانوا قوة عسكرية ضاربة واستطاعوا أن يخرّبوا ويهدّموا، لكن بالمعاشرة والمخالطة اسلموا بعد ذلك.

والآن إذا كنا متفوقين من ناحية فكر على الأمريكان وغيرهم، يمكن باتصالنا بهم أن نحوّلهم، يعني بوش مثلاً كان يتصل به بعض القساوسة وربما بعض اليهود ولو حدث أن كانت له لقاءات مع مسلم له قدراته الفكرية والبيانية يمكن أن يكون له تأثير أكبر، لأن الإسلام حق في نفسه، فالإقناع بان الله ثالث ثلاثة هذا يستدعي أن يترك الإنسان عقله في الخارج بعكس التوحيد، لذلك الإسلام يتحرك بقوته الذاتية ولابد أن نغزو الناس بهذا الدين.

ــــــــ

شبكة المشكاة الإسلامية (حسن عبد الحميد) بتصرف.

 

التصنيفات:مقالات
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.